العيني

125

عمدة القاري

من طريق الأعرج عن أبي هريرة : ( من الخير والبركة ) ، والتقدير : لو يعلم الناس ما في الصف الأول ؟ وقال الطيبي : أطلق مفعول : يعلم ، وهو كلمة : ما ، ولم يبين الفضيلة ما هي ليفيد ضربا من المبالغة ، وأنه مما لا يدخل تحت الوصف . قوله : ( ثم لا يجدون ) ، هذه رواية المستملي والحموي ، وفي رواية غيرهما : ( لم يجدوا ) . وقال الكرماني : وفي بعض الروايات : ( لا يجدوا ) ، ثم قال : جوز بعضهم حذف النون بدون الناصب والجازم ، قال ابن مالك : حذف نون الرفع في موضع الرفع لمجرد التخفيف ثابت في اللغة في الكلام الفصيح نظمه ونثره . قوله : ( إلا أن يستهموا عليه ) من الاستهام وهو الاقتراع ، يقال : استهموا فسهمهم فلان سهما إذا أقرعهم ، وقال صاحب ( العين ) : القرعة مثال الظلمة ، الاقتراع ، وقد اقترعوا وتقارعوا وقارعته فقرعته أي : أصابتني القرعة دونه ، وأقرعت بينهم : إذا أمرتهم أن يقترعوا ، وقارعت بينهم أيضا ، والأول أصوب ، ذكره ابن التياني في ( الموعب ) وفي ( التهذيب ) لأَبي منصور عن ابن الأعرابي : القرع والسبق والندب : الخطر الذي يستبق عليه . وقال النووي : معناه أنهم لو علموا فضيلة الأذان وعظيم جزائه ، ثم لم يجدوا طريقا يحصلونه به لضيق الوقت أو لكونه لا يؤذن للمسجد إلاَّ واحد لاقترعوا في تحصيله . وقال الطيبي : المعنى : لو علموا ما في النداء والصف الأول من الفضيلة ، ثم حاولوا الاستباق ، لوجب عليهم ذلك ، وأتى : بثم ، المؤذن بتراخي رتبة الاستباق من العلم ، وقدم ذكر الأذان دلالة على تهيء المقدمة الموصلة إلى المقصود الذي هو المثول بين يدي رب العزة . قوله : ( عليه ) أي : على كل واحد من الأذان والصف الأول ، وقد نازع ابن عبد البر والقرطبي في مرجع الضمير ، فقال ابن عبد البر : يرجع إلى الصف الأول لأنه أقرب المذكورين . وقال القرطبي : يلزم منه أن يبقى النداء ضائعا لا فائدة له ، بل الضمير يعود على معنى الكلام المتقدم ، مثل قوله تعالى : * ( ومن يفعل ذلك يلق أثاما ) * ( الفرقان : 68 ) . أي : جميع ما ذكر . قلت : الصواب مع القرطبي ، ويؤيده ما رواه عبد الرزاق عن مالك بلفظ : ( لاستهموا عليهما ) ، فدل ذلك على صحة التقدير الذي قدرناه . قوله : ( ما في التهجير ) أي : التكبير إلى الصلوات . قاله الهروي : وقال غيره : المراد التبكير بصلاة الظهر ، يعني الإتيان إلى صلاة الظهر في أول الوقت ، لأن التهجير مشتق من الهاجرة وهي شدة الحر نصف النهار ، وهو أول وقت الظهر . قلت : الصواب مع الهروي ، لأن اللفظ مطلق وتخصيصه بالاشتقاق لا وجه له . ثم المراد من التبكير إلى الصلوات التهيء والاستعداد لها ، ولا يلزم من ذلك إقامتها في أول أوقاتها ، وكيف وقد أمر الشارع بالإبراد في الظهر ، والإسفار في الفجر ؟ وأيضا الهاجرة تطلق على وقت الظهر إلى أن يقرب العصر ، فإذا أبرد يصدق عليه أنه هجر على ما لا يخفى . قوله : ( لاستبقوا إليه ) أي : إلى التهجير . وقال ابن أبي حمزة : المراد من الاستباق التبكير ، بأن يسبق غيره في الحضور إلى الصلاة . قوله : ( ما في العتمة ) ، وهي صلاة العشاء ، يعني : لو يعلمون ما في ثواب أدائها وأداء ( الصبح لأتوهما ولو حبوا ) أي : ولو كانوا حابين ، من : حبى الصبي إذا مشى على أربع . قاله صاحب ( المجمل ) . ويقال : إذا مشى على يديه أو ركبتيه أو أسته . ذكر ما يستفاد منه فيه : فضيلة الأذان وقد ذكرنا فيما مضى من ذلك . وفيه : فضيلة الصف الأول لاستماع القرآن إذا جهر الإمام ، والتأمين عند فراغه من الفاتحة ، والتكبير عقيب تكبير الإمام ، وأيضا يحتمل أن يحتاج الإمام إلى استخلاف عند الحدث فيكون هو خليفته ، فحصل له بذلك أجر عظيم ، أو يضبط صفة الصلاة وينقلها ويعلمها الناس ، وروى مسلم : ( خير صفوف الرجال أولها وشرها آخرها ، وخير صفوف النساء آخرها وشرها أولها ) . وفي ( الأوسط ) للطبراني : ( استغفر صلى الله عليه وسلم للصف الأول ثلاث مرات ، وللثاني مرتين ، وللثالث مرة ) . وعن جابر بن سمرة من حديث مسلم : ( ألا تصفون كما تصف الملائكة عند ربها ، يتمون الصف الأول ؟ ) وعند ابن ماجة عن عائشة ، رضي الله تعالى عنها : ( لا يزال قوم يتأخرون عن الصف الأول حتى يؤخرهم الله إلى النار ) . وعن عبد الرحمن بن عوف : ( إن الله وملائكته يصلون على الصف الأول ) . وعند ابن حبان عن البراء عن عازب : ( إن الله وملائكته يصلون على الصف الأول ) . وقال القرطبي اختلف في الصف الأول : هل هو الذي يلي الإمام أو المبكر ؟ والصحيح : أنه الذي يلي الإمام ، فإن كان بين الإمام وبين الناس حائل ، كما أحدث الناس المقاصير ، فالصف الأول الذي على المقصورة . وفي ( التوضيح ) : الصف الأول ما يلي الإمام ، ولو وقع فيه حائل ، خلافا لمالك . وأبعد من قال : إنه المبكر ، ولو جاء رجل ورأى الصف الأول مسدودا لا ينبغي له أن يزاحمهم ، وقد